الرئيسية / مشاركات / ” الدبلوماسية الشعبية ” بقلم د. نزار نبيل الحرباوي

” الدبلوماسية الشعبية ” بقلم د. نزار نبيل الحرباوي

الدبلوماسية الشعبية

بقلم المستشار د. نزار نبيل أبو منشار الحرباوي

بات مصطلح الدبلوماسية الشعبية أو ما يعرف ب” Public Diplomacy” من أبرز فنون العلم التخصصي المعاصر ، وهو مصطلح يحمل في ثناياه أبجديات فهم وسلوك ، ومخططات تغييرية في مسار بناء العلاقات وتوجيهها واستثمارها بالصورة المثلى .

علم الدبلوماسية لا يقتصر وفق نظرة البعض إليه على المجال الحكومي ، أو بين السفارات والقنصليات والتمثيليات المؤسسية الحكومية الرسمية بين الدول ، بل إن هذا شكل من أشكالها ، ولعله الشكل الأضعف والأكثر روتينية في العلاقات الدبلوماسية حتى ولو كان في واجهة المشهد .

وعلى أبواب القرن الواحد والعشرين ، ومع وفرة الجامعات العربية في عالمنا العربي ، أظن أنه يحق لنا أن نتساءل عن مدى معرفتنا بهذا المجال الحيوي والفاعل ، ومدى تطبيقنا له على المستوى الفردي والمؤسسي ، وفق الرؤية العصرية له ؟

من المفيد هنا أن نحصر دائرة النظر والبحث ، فنحن نتحدث تحديداً في مجال الاتصال السياسي ، وأن الحديث لا يدور حول اتصال سياسي أو معرفي تخصصي بين الدول من خلال السفارات والقنصليات ، بل من خلال الجهات التمثيلية الحقيقية للشعوب وتوجهاتها .

وفي عصر المعلوماتية وانفجار الثورة العقلية والاختراعات ودخولها في كل المجالات لا سيما في مجال الاتصال والتواصل ، فقد بات هذا العنوان هما حقيقياً لدى صناع القرار العالمي ، لا سيما في الدول المتقدمة ، وذلك لمعرفتها بأثره وأهميته في واقع الحياة ، ودلالاته على صعيد التوسع في السياسات على المستويات الشعبية التي هي أعمق واقوى من الصلات مع الدول والحكومات .

بنظرة إلى العالم الغربي ، نرى اليوم الدول قد أوجدت أجساماً حكومية ووزارية وهيئات أهلية ومدنية متعددة ، كلها تعتمد نشر وتركيز هذا السلوك والفهم لدى شرائح مجتمعها المختلفة ، وتقام سلسلة من الدورات التأهيلية والتكوينية للشباب تحديداً ليكونوا على اطلاع بطبيعة هذا العلم ومجالاته وفلسفته وآليات التعامل معه وجدواه في الواقع السياسي والاقتصادي والثقافي العام .

ممارسة العمليات الدبلوماسية الشعبية بفنونها العصرية تتطلب اليوم وعياً من القائمين على هذه المشروعات بأهدافها ووسائلها ، ومنهجيات تقييمها وتقويمها المستمرة ، لكونها تتصل بسياسات الدول ، وتحقق من الأهداف ما تعجز الدبلوماسية العامة عن تحقيقه ، ليس بقوة السلاح والساعد ، بل بطريقة ذكية غير مباشرة، من خلال الثقافة والقيم والأيديولوجيا الناعمة ووسائل العمل المشترك والتشبيك المؤسسي وغيرها.

وفي زمن اكتسب فيه البعد المؤسسي والمجتمع المدني والرأي العام قوة ضاغطة كبيرة ومؤثرة ،بات التعامل بمنهجية الدبلوماسية الشعبية أكثر جدوى وأعمق أثراً .

تقوم الدبلوماسية الشعبية على بناء منظومة تواصل واتصال فاعلة لمخاطبة الشعوب والرأي العام في الدول الأخرى عن طريق الأحزاب ةالمؤسسات غير الحكومية وغير الربحية الموجودة في المجتمع ، وتدخل في مجالات الاقتصاد والثقافة والفن ،والإعلام، والتنمية المستدامة ، والتبادل الطلابي والأكاديمي والعلمي، والندوات والمؤتمرات ، ونحوها .

من الجدير بالذكر هنا إلى أن الدبلوماسية الشعبية المؤثرة تنطلق من مبدأ أن الحوار هو الوسيلة الأساسية في تحقيق أهداف السياسة الخارجية وليس الخطاب السياسي أو لغة السلاح والتهديد والوعيد ، وأن الحوار والتفاوض وبناء الشراكات الاستراتيجية هو الطريق الأقصر للوصول إلى الأهداف المرجوة بعيداً عن التداعيات السلبية للتدخلات العسكرية أو المشاركة في السياسات الواضحة بالتدخل في شؤون الآخرين بكل ما يعنيه ذلك من تصادم مع القانون الدولي ومواثيق الأمم .

من خلال هذه الدبلوماسية الشعبية ، يتم تحليل أنماط التفكير في مجتمعاتنا ، وتوجهات الفرد والمؤسسة والحكومة والدولة ، ليس من خلال السفارات الرسمية بين الدول ، بل من خلال الأبحاث العلمية وتبادل الخبراء والمستشارين ، والتوأمة المؤسساتية ، والشركات العابرة للقارات ، ومشروعات التنمية التي تشكل الغطاء الفعلي لمجموعات التحليل العالمي لفهم طبيعة بلادنا والوقوف على نقاط الضعف والقوة فيها .

إذاً ، هل يمكن لنا ان نتحدث الآن عن وجود قوة فاعلة لنا في هذا المجال في العالم العربي ، هل لدينا من مؤسسات التدريب والتأهيل والاستشارات من يعمل على تحقيق مثل هذه المشروعات لتنطلق في الواقع ، أم هل لدينا في جامعاتنا التخصصية التي تفخر بكليات العلوم السياسية والاقتصاد وعلوم الاجتماع من يسعى إلى بناء فهم خاص بنا لمفهوم وسلوك الدبلوماسية الشعبية لتعزيزها واستثمارها من طرفنا كما يفعل الآخرون .

الموضوع لا يدور هنا عن إمكانية استخدامنا لمصطلح ” Public Diplomacy ” في خطاباتنا السياسية والعامة ، المهم هنا قدرتنا على إيجاد التغيير الحقيقي على الأرض من خلال تفعيلنا له لصالح توجهاتنا وأهدافنا المنشودة

ان تشارك يعني انك تهتم :

أكتب تعليق

‪Google+‬‏